محمود أبو رية

123

شيخ المضيرة أبو هريرة

فإن أفضل الصحابة في المرتبة ، وأرفعهم في المنزلة ، وأوسعهم علما بالدين وأشدهم عناية به ، وأقواهم حياطة له ، ودفاعا عنه ، الذين نيط بهم حمل أصول الدين وفروعه إلى المسلمين بما ورثوا عن أستاذهم الأكبر صلوات الله عليه - وبخاصة أولئك الذين رجعت إليهم الفتيا في عهد النبي كالخلفاء وكبار المهاجرين والأنصار ، ومن قالوا : إن النبي قد مات وهو راض عنهم ، وكل أولئك كانوا أقل الصحابة عنه تحديثا ، وأنزرهم رواية ، حتى لقد بلغ الامر ببعضهم أنه لم يرو عن النبي حديثا واحدا ! ! ولم يقف الامر عند ذلك فحسب بل قد وجدنا كبار الصحابة يرغبون عن رواية الحديث وينهون إخوانهم عنها ، حتى أدى بهم فرط الاحتياط والمبالغة في التوقي إلى أنهم كانوا يحرقون ما يكتبون منها ( 1 ) . وهذا الامر قد دعانا إلى أن نكسر كتابا خاصا نترجم فيه لمن كان أكثر الصحابة تحديثا عن النبي وأوسعهم رواية عنه - على حين أنه لم يصاحب النبي على التحقيق إلا عاما واحدا وبضعة أشهر - كما حققناه في هذا الكتاب - وكان بين الصحابة لا شأن له ، فلم يكن في العير ولا في النفير - ذلكم هو " أبو هريرة " . لولا رواياته : ولولا أن هذه الكثرة البالغة قد استفاضت في كتب الحديث المشهورة وأخذت مكان الاعتبار والتصديق من قلوب الجمهور من المسلمين ، وسيطرت على عقولهم وأفكارهم . ونفذت إلى أصول الدين وفروعه ، وأصبحت مصدرا للفقهاء في أحكام الدين وشرائعه ، وأدلة للمتكلمين ، وأصحاب الملل والنحل في عقائدهم ، على ما في كثير منها من مشكلات وترهات وأساطير تحار فيها عقول المفكرين من المؤمنين وغير المؤمنين ، وشبهات وخرافات ، تتخذ مطاعن على الدين ، وأسانيد يتكأ عليها في إثبات الإسرائيليات وغيرها ، لولا ذلك كله ما جرى بهذا البحث قلمنا ، ولا اتجه إليه بالعناية همنا .

--> ( 1 ) كل ذلك قد بيناه بيانا مفصلا في كتاب أضواء على السنة المحمدية ، الطبعة الثالثة ، فارجع إليه .